السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

267

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

المؤمنين « بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » كما فعل من قبلنا إذ آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما أشرنا إليه في الآية 85 المارة ، بل نؤمن بجميع الأنبياء والرسل وما أنزل اللّه عليهم من صحف وكتب وما ذكروه لنا عن ربهم وآمنوا به إيمانا خالصا « وَقالُوا » هؤلاء المؤمنون « سَمِعْنا » قول ربنا « وَأَطَعْنا » أمره نطلب « غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ » نعلم بأنه « إِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) » في الآخرة فأحسن مآبنا إليك ، ثم أنزل بعدها « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » قدرتها وطاقتها ، فخرج هنا حديث النفس والوسوسة ، لأنهما خارجان عن الوسع فهما خارجان عن التكليف ، لأن دفعها فوق الطاقة ، وفي المؤاخذة عليها حرج ، وقد قال تعالى ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) الآية 77 من سورة الحج الآتية ، واللّه أكرم من أن يتعبدنا بما لا نطيق ، وأجلّ من أن يضيق علينا في الدين ، وهذا لا يكون حجة في دعوى النسخ لما ذكرنا ، ولأن اللّه لم يرتب عليه عقابا ليخففه في هذه الآية ، وعلى فرض صحة حديث أبي هريرة فإن الأصحاب الذين راجعوا حضرة الرسول هم من عوام الصحابة أمثاله ، ولهذا خاطبهم صلّى اللّه عليه وسلم بقوله ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين ) أي الآية 93 المارة ، ولأنهم ظنوا أن اللّه يعاقبهم على ما يخطر بقلوبهم ، ولذلك قالوا « لَها » أي لكل نفس ثواب « ما كَسَبَتْ » من أعمال الخير « وَعَلَيْها » وزر « مَا اكْتَسَبَتْ » من أفعال الشر ، ثم علّم اللّه تعالى عباده كيف يدعونه بقوله قولوا « رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا » أمرا من أمورك أو نهيا من نواهيك ، لأنا لا تخلو من أحدهما فاغفر لنا تقصيرنا في هاتين الحالتين أيضا زيادة عما تحدثه نفوسنا ، فإنك واسع المغفرة بالغ الرحمة . هذا وقد قال العلماء إن التصور إذا وصل حد التصميم والعزم يؤاخذ عليه الإنسان لقوله تعالى ( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) الآية 255 المارة لأن هذا من الكيفيّات النفسانية التي تلحق بالملكات بخلاف سائر ما يحدث بالنفس وعليه قوله : مراتب القصد خمس هاجس ذكروا * فخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت * سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا